Download WordPress Themes, Happy Birthday Wishes
الرئيسية / أخبار / الثقة : رأس مال التونسيين، رصيد متآكل

الثقة : رأس مال التونسيين، رصيد متآكل

اتسمت حياة التونسيين، بعد مضي 8 سنوات عن الثورة (17 ديسمبر 2010/ 14 جانفي 2011 )، بتدهور القدرة الشرائية والمؤشرات الاقتصادية الرئيسية وتراجع قيمة الدينار واستشراء الفساد وتزايد العنف ولكن هذه المؤشرات، على أهميتها لا تكفي لتفسير الأزمة التي تردّت فيها البلاد بل تعكس، بالأحرى، أزمة ثقة تهم جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.

فالثقة التي تعد في الخارج عاملا حاسما لتقدم ونجاح الدول، باتت مفقودة في حياة التونسيين ومع ذلك، فإن مقياس الثقة بجوانبها المختلفة، مهمل من قبل صانعي القرار في هذا البلد الذي أنهى للتو 8 سنوات من عمر ثورته.

ويقدم الأكاديميان التونسيان، نور الدين كريديس، الأخصائي في علم النفس والعميد السابق لكلية العلوم الإنسانية بتونس (9 أفريل) والخبير الاقتصادي معز العبيدي رؤيتهما حول هذه المسألة الحيوية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين.

* المفهوم الاستراتيجي

يعتبر عالم النفس الاجتماعي، نور الدين كريديس، أنّ الثّقة تعدّ “مفهوما استراتيجيا في حياة الانسان” وترتبط على المستوى الشخصي بالذكاء العاطفي والشعور الداخلي بالأمان “انها نتيجة لتجاربنا المبكرة جداً، وللتربية والثقافة اللتين نترعرع فيهما”، على حد تعبيره.

وفي إشارة إلى الوضع السائد في تونس منذ 2011، أفاد الأكاديمي، أنه في ظل غياب مسح جدي حول معنويات التونسيين، فإن العديد من المؤشرات تتجه نحو فقدان نسبي في الثقة أو في بعض الأحيان، كلّي. ويتجلى ذلك، من خلال الامعان في استقراء معدل المشاركة أو نية المشاركة في الانتخابات والمساهمة في الحياة العامة والهجمات المتكررة على رموز السلطة السياسية والقضائية والطبية والتربوية.

ويرى كريديس، أنّ فقدان الثقة هذا، راجع إلى “عدم الانسجام ” بين تصرفات صانعي القرار وأقوالهم فهم “لا يوفون بما يعدون به “.

وممّا عمق أزمة الثقة، أنّ السياسيين لم يكونوا في مستوى الثقة التي منحها إيّاهم الشعب، فهم يفتقرون للخبرة والتكوين، كما تفتقر برامجهم “للدسامة المطلوبة”. ويتجلى ذلك، من خلال ما نراه من “سياحة برلمانية” والانتقال من كتلة برلمانية الى اخرى بكل حرية.

وأخيرا، فقد ساهم غياب الاتصال مع عدم التطابق والانسجام بين القول والفعل، في توجيه ضربة قاصمة لما تبقى من الثقة. يذكر في هذا الصدد، أنّ الاشخاص المتقدمين الى الشعب بغاية نيل المناصب يفعلون ذلك دون الاستماع الى مشاغل هذا الشعب وفي نفس الوقت يبادرون بتحسيسه بانهم مطلعون على كل شاردة وواردة ويمتلكون الحقيقة مما يؤدي الى إبعاد “الجميع تقريبا” عن السياسة والشأن العام لاسيما الشباب، الذين “يشعرون بانهم غير معنيين بما يحدث”.

ولخّص الجامعي، نور الدين كريديس، عوامل تآكل الثقة في عدة مشاكل مزمنة منها بالخصوص “الأكاذيب” وغياب الانسجام والافتقار الى برامج دسمة وفقدان التواصل والاتصال ما يجعل من مسار رفع مستوى الثقة “مسارا طويلا يتطلب الاشتغال على جملة هذه المؤشرات الاستراتيجية”.

* هل يمكن الحديث عن اصلاح في ظل غياب الثقة؟

اعتبر الجامعي والعضو السابق بمجلس ادارة البنك المركزي التونسي، معز العبيدي، من جهته، أنّ الثقة محور مسار الاصلاح الذي تحتاجه البلاد، فالثقة هي “حالة واستشراف لتوضيح الافاق” كما أن ارتباطها بالنمو ليس في حاجة للبرهنة.

وتبقى الاصلاحات بالنسبة للعبيدي، معطلة بسبب خطاب سياسي شعبوي يغذيه تقسيم سيئ للثروات، من جهة، وغياب الثقة في الحكومة للانخراط في اصلاحاتها، من جهة اخرى.

ويسهام تشكل مجموعات ضغط “لوبيينغ”، النقابات ورجال الاعمال وبعضن الاسلاك بدوره في تغذية هذا التعطل. وفي هذا الاتجاه، إذا قبل الاتحاد العام التونسي للشغل الانخراط وبجدية في مسار اصلاحات فان الانحياز والانتصار للمهنة (المحامون، المهندسون، الاطباء…) سيضعف، وفق ما تاكيد الجامعي الذي لاحظ أنّ سوء التصرف في ملفات الانتقال ساهم في تغذية مصادر التوتر والتعطل واجهض بناء علاقة ثقة.

وأردف على سبيل الذكر: يجد التونسيون صعوبة في قبول اصلاحات موجعة (مثل نظام التقاعد)، في وقت تستمر استفادة الطبقة الحاكمة من انظمة خصوصية والجرايات. التضحيات يجب ان يتحملها الجميع، وعكس ذلك، فانه لن يتم قبولها بالمرة.

العلاقة بين الثقة والنمو جدلية باعتبار ان الثقة تجعل الاصلاحات مقبولة وتؤثر ايجابا على النمو وعندما نسجل نموا، تهب دائما موجة تفاؤل وتعزز الثقة، وفق توضيحه.

* تقييم جزئي ومنحاز

ولفت في ما يهم تقييم الثقة، “نحن نجد هذا الامر اكثر لدى معاهد سبر الاراء والدراسات، التي تنتج اكثر المعلومة السياسية (نسبة شعبية بعض الشخصيات) بشكل ينعكس على مصداقية المؤشرات المنشورة ويهمّشها”. وتابع موضحا، هذه التّقييمات تساهم في إبراز الخلافات الايديولوجية دون التوقف عند النّقص الفادح في الثقة التي يقف خلفها.

وشدّد العبيدي، الذي نشر في سنة 2013 مقالا تحت عنوان “الاقتصاد التونسي، اقتصاد محاصر “بصدمة الحذر”، على اهمية ارساء هياكل مستقلة، قادرة على تأمين تقييمات حول ثقة التونسيين في مختلف مؤسسات البلاد (الحكومة ومجلس نواب الشعب والعدا والهيئات) بشكل دوري.

“انا كجامعي، ساكون مهتما بتولي هيكل مستقل نشر مؤشر شهري حول الثقة في احدى مؤسسات الجمهورية بشكل يمكن من الحصول على 12 مؤشرا سنويا، ومن ثمة النظر في تطور المؤشرات الاقتصادية الاخرى خلال نفس الفترة بهدف الحصول على معطيات صحيحة حول العلاقة بين الثقة والنمو الاقتصادي في البلاد.

وردا على سؤال عن مدى الحاجة الى صدمة ثقة في تونس، افاد الخبير الاقتصادي، ان هذه الصدمة لا يمكن ان تاتي من أولئك الذين يمارسون السلطة منذ الثورة ومع غياب خطاب مقنع. وقال لا يمكن ان يحدث ذلك، سوى مع وصول وجوه جديدة قادرة على اعطاء نفس جديد والمساهمة في تقبل الاصلاحات الموجعة التي يجب ان تكون في شكل حزمة مدروسة.

تدني مصداقية المؤشرات المنشورة حول الثقة وقلة الاهتمام الذي تحظى به لدى اصحاب القرار، يقيم الدليل على غياب ثقافة الديمقراطية والحوكمة الرشيدة، في وقت، تعتبر فيه الثقة بالبدان المتقدمة في صميم عمل الفرد والجماعة والمجتمعات والامم. العلاقة الوطيدة للثقة بالتنمية تجلت بشكل خاص في اعمال كينيث أرّاو، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1972.

ويؤكد الاقتصادي والاستاذ الجامعي لخمس ممن حصلوا على خمس جوائز نوبل في هذا الاختصاص، ومنهم جوزيف ستيغليتز (جائزة 2001)، بالاساس أنّه “افتراضيا كل تبادل تجاري ينبني على جزء من الثقة تماما ككل معامل تمتد في الزمن”. يمكننا التسليم بان جانبا كبيرا من التاخير في التنمية الاقتصادية لاي مجتمع يعزى الى غياب الثقة المتبادلة بين المواطنين”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“لدينا هواجس من تزوير الانتخابات.. وحملات التشويه لن تُؤثّر فينا”

قال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، اليوم الخميس ...